من تاريخ بادية الشمال: بلاد أنجرة [1]

بلال الداهية
إن قبيلة أنجرة هي أول قبائل جبالة شمالا، لا يفصلها إلا مضيق جبل طارق عن الديار الأندلسية، وتبدو مناظر هذه الأخيرة في الأيام الرائقة من أغلب المداشر الأنجرية المطلة على بحر الزقاق، كما يحد الجزء المتوسطي الضيق منها مدينتي سبتة والفنيدق، أما حدودها البرية فتتقاطع مع كل من الفحص ووادي راس والحوز.
تقسم قبيلة أنجرة إلى ثلاثة فرق ذات أسماء مدلولها طبيعي وهي: البحراويون، والنسبة إلى بحر الزقاق الذي تمتد هذه الفرقة على طوله، ثم البرقوقيون في الجنوب الغربي حيث مركز القبيلة المعروف بسوق خميس أنجرة، وأخيرا الغابويون وهي الفرقة الملاصقة لسبتة والفنيدق والمحدودة بجبل فحص الأمهار الحوزي.
وكان مختار الهراس قد ذكر أن الحسن بن محمد الوزان المعروف ب”ليون الإفريقي” هو أول من ورد عنده اسم أنجرة في “وصف إفريقيا”. والأصح – والله أعلم – أن هذا الاسم موجود في مقتبس المؤرخ القرطبي أبي مروان خلف بن حيان شيخ مؤرخي الأندلس، وأن نسبة “الأنجري” كانت موجودة بكثرة في العصر الوسيط، خاصة في العهد المريني، والدليل على ذلك الأسماء التي وردت في تراجم “بلغة الأمنية ومقصد اللبيب فيمن كان بسبتة في الدولة المرينية من مدرس وأستاذ وطبيب” الذي حقق د. عبد السلام الجعماطي نسبته إلى أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الحضرمي (وكان قبل ذلك يعد مجهول المؤلف)، ومن هذه الأسماء نجد أبا عثمان الصنهاجي الأنجري وأبا الحسن الأنجري وأبا القاسم محمدا الأنجري، وكلهم ماتوا في مطلع القرن التاسع للهجرة، أي قبل أن تسقط مدينة سبتة في يد البرتغاليين.
ورغم وجود اسم أنجرة في مؤلفات العصر الوسيط، فإن هذا الوجود نادر واستعمالاته محدودة، ويبقى مفتوحا على عدة احتمالات: منها ما أورده التهامي الوزاني في قوله: “وما اكتسبت اسم أنجرة إلا بعد أن أصبحت تشتمل على ثلاث مراسي كبرى: طنجة وقصر المجاز وسبتة، زيادة على الشواطئ الرملية الموجودة فيها في وادي أليان والدالية ووادي المرسى وبليونش، وكثرة رسو السفن بها، ولما كان بها من مضارب صيد البحر، كانت شطآنها الرملية ممتلئة بالأنجرة، جمع أنجر، وهو المخطف الذي ترسو بها السفينة”.
ويزعم بعض العوام في المقابل أن فرقة البحراويين الحالية كانت تحتوي على مدشر ساحلي يدعى “المنجرة”، كانت به غابة كثيفة استعمل خشبها في صناعة السفن، بل تذهب العامة بعيدا في اعتقادها بأن نوحا عليه السلام إنما صنع سفينته من خشب تلك الغابة. وكان الوزان قد أشار إلى أن هذه القبيلة أرضها خصبة جدا لأنها كانت مغطاة بالغابات فاجتثها السكان وزرعوا موضعها.



